المقريزي
416
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
سابع عشر شهر رمضان سنة أربعين وستمائة ، ودفن بدير الشمع بالجيزة ، وكان عالما بدينه محبا للرياسة ، وأخذ الشرطونية في بطركيته ، وكانت الديارات بأرض مصر قد خلت من الأساقفة ، فقدم جماعة أساقفة كثيرة بمال كثير أخذه منهم وقاسى شدائد ، ورافعه الراهب عماد المرشال ووكل عليه وعلى أقاربه وألزامه ، وساعده الراهب السني بن الثعبان ، وأشاع مثالبه وقال لا يصح له كونية لأنه يقدّم بالرشوة ، وأخذ الشرطونية وجمع عليه طائفة كثيرة ، وعقد مجلسا عند الصاحب معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ في أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب ، وأثبت على البطرك قوادح ، فقام الكتاب النصارى في أمره مع الصاحب بمال يحمله إلى السلطان حتى استمر على بطركيته ، وخلا كرسيّ البطاركة بعده سبع سنين وستة أشهر وستة وعشرين يوما . ثم قدّم اليعاقبة ابناسيوس ابن القس أبي المكارم بن كليل بالمعلقة في يوم الأحد رابع شهر رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة ، وكمل بالإسكندرية ، فأقام إحدى عشرة سنة وخمسة وخمسين يوما ، ومات يوم الأحد ثالث المحرّم سنة ستين وستمائة ، فخلت مصر من البطركية خمسة وثمانين يوما . وفي أيامه أخذ الوزير الأسعد شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزي الجوالي من النصارى مضاعفة ، وفي أيامه ثارت عوامّ دمشق وخربت كنيسة مريم بدمشق بعد إحراقها ونهب ما فيها ، وقتل جماعة من النصارى بدمشق ، ونهب دورهم ، وخرابها في سنة ثمان وخمسين وستمائة بعد وقعة عين جالوت وهزيمة المغل . فلما دخل السلطان الملك المظفر قطز إلى دمشق قرّر على النصارى بها مائة ألف وخمسين ألف درهم ، جمعوها من بينهم وحملوها إليه بسفارة الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب ، أتابك العسكر . وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة كانت واقعة النصارى ، ومن خبرها أن الأمير سنجر الشجاعيّ كانت حرمته وافرة في أيام الملك المنصور قلاون ، فكان النصارى يركبون الحمير بزنانير في أوساطهم ، ولا يجسر نصرانيّ يحدّث مسلما وهو راكب ، وإذا مشى فبذلة ، ولا يقدر أحد منهم يلبس ثوبا مصقولا ، فلما مات الملك المنصور وتسلطن من بعده ابنه الملك الأشرف خليل ، خدم الكتاب النصارى عند الأمراء الخاصكية وقوّوا نفوسهم على المسلمين ، وترفعوا في ملابسهم وهيآتهم ، وكان منهم كاتب عند خاصكيّ يعرف بعين الغزال ، فصدف يوما في طريق مصر سمسار شونة مخدومه ، فنزل السمسار عن دابته وقبّل رجل الكاتب ، فأخذ يسبه ويهدّده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير ، وهو يترفق له ويعتذر ، فلا يزيده ذلك عليه إلّا غلظة ، وأمر غلامه فنزل وكتف السمسار ومضى به والناس تجتمع عليه حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون ، ومعه عالم كبير ، وما منهم إلّا من يسأله أن يخلي عن السمسار وهو يمتنع عليهم ، فتكاثروا عليه وألقوه عن حماره وأطلقوا السمسار ، وكان قد قرب من بيت أستاذه ، فبعث غلامه لينجده بمن فيه ، فأتاه بطائفة من